رمضان كريم

    



وما زال الحديث عن نبي الله داود عليه السلام ، وما أنعم الله به عليه من الملك  والنبوة والحكمة وما اتصف به من الصفات العظيمة ، من القوة والرجولة والعلم وتسبيح الجبال والطير معه ... ورَّثَ هذا الملك كلّه وزيادةً عليه ولدُه سليمان عليه السلام ..... ومن لا يعرف نبي الله سليمان ؟... ذلك النبي الذي إذا مشى على الأرض أو حملتْه الرياح اصطحب معه الإنسَ والجنّ والطيرَ من فوقه تظله بأجنحتها ... يسيرون معه في موكبٍ حافلٍ مهيب رهيب ... تتحرك معه هذه المخلوقات جميعاً ترافقه في الأرض وفي أجواء السماء ، فتسمع معها أصوات الإنس والجن والطير في حركةٍ لا مثيل لها من الانضباط والنظام وترابط الصفوف كما أخبر الله تعالى " وحُشرَ لسليمانَ جنودُه من الجن والإنس والطير فهم يوزعون " ... . 



داوود عليه السلام




قصة  اليوم هي عن نبيّ الله داود عليه السلام ، ذلك النبي الكريم الذي جمع الله له بين العلم والعبادة والمُلك والنبوة وأعطاه من خيري الدنيا والآخرة ، فكان مثالاً  حياً ورائعاً لمدى تأثير الرسالة في المُلك ومدى تأثير الصلاح في الحكم، فالآثار المترتبة على المجتمع في قانون الوفرة والرخاء الاجتماعي والأمن السياسي والوئام الداخلي هو حين تجتمع القوة مع التقوى.

إن رسالة القرآن في قصص الأنبياء واضحة وضوح الشمس ،  فكما في حياة الأنبياء دروساً  ينتفع منها عامة الناس ، فكذلك هناك دروس في حياة الأنبياء ينتفع منها أهل الحُكم والوزارة والرئاسة ،  وهذه هي روعة القرآن وجلاله في آياته ومعانيه وشمولها لمناحي الحياة ، فهو ليس كتاب وعظ وتذكير بالآخرة وحسْب.. بل هو للدنيا والآخرة والعقل والقلب والسوق والحُكم والمسجد والمصنع.. "ما فرطنا في الكتاب من شيء" . 

داود عليه السلام هو نبي من أنبياء بني إسرائيل من أولاد يهوذا بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة السلام ، وهو أحد الرسل الذين نزلت عليهم الكتب السماوية بعد موسى عليه السلام ، فأنزل الله عليه الزبور كتاباً يحوي المواعظ والرقائق والأذكار والتسبيح "وآتينا داوود زبورا"، فأنعم الله تعالى على داود عليه السلام بنعمٍ كثيرة فكان من نعم الله عليه:

  • الشجاعة : "واذكر عبدنا داوود ذا الأيدِ إنه أواب" ومعنى ذا الأيد : أي صاحب القوة فكان موصوفاً بالقوة وفرط الشجاعة .

  • ومن نعم الله عليه أنه ألاَنَ له الحديد حتى كان يفتله بيده ولا يحتاج معه إلى نار ولا مطرقه " وأَلنّا له الحديد " ، قال ابن كثير رحمه الله : أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصّن المقاتلين من الأعداء ، وعلّمه الله كيف يصنعها فقال تعالى " وقدِّر في السرد " أي لا تدق المسمار فيغلق ولا تغلّظه فيفصم .

  • ومن نعم الله عليه اجتهادُه في العبادة وفي طاعة ربه سبحانه وتعالى حتى سمّاه الله تعالى عبداً لكثرة عبوديته وطاعته التي تميز بها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ذاكراً عبادة داود عليه السلام : " أحبّ الصيام إلى الله صيام داود ، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ، وأحبّ الصلاة إلى الله صلاة داود ، كان ينام نصفَ الليل ويقوم ثلثَه وينام سدسَه "رواه البخار.

  • ومن نعم الله على داود أن الله تعالى وهبه صوتاً جميلاً ، فكان حسَنَ الصوت جميلَ الإنشاد ، فكان إذا قرأ الزبور تكفّ الطيور عن الطيران وتقف على الأشجار والأغصان وتجتمع محشورة في مكان واحد ، فترجّع بترجيعه وتسبّح بتسبيحه ،  وإذا سبَّح عكفت الجن والإنس والطير على صوته حتى يهلك بعضها من الجوع ! لأنها تقف ولا تتحرك لطلب الرزق بسبب انجذابها لصوت داود ! فسبحان مَن وهبه صوتاً يردّد معه الجبال والطير .

قال تعالى " إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق * والطير محشورة كلٌّ له أواب " أي : محشورة لتستمع إلى صوته العجيب ..

ولك أن تتخيل كيف يجلس داود عليه السلام بين الجبال والوديان فيترنم بصوته مسبحاً لله تعالى ذاكراً لربه تالياً لكتابه وتردّد خلفه الجبال الشاهقة وآلاف الطيور  ... كيف يكون جمال الزمان والمكان ؟ كيف ينطق الطير والجبل بصوتٍ واحد ؟ ... يقدم شهادةً للكون والوجود بعظمة الخالق العظيم ... أنها كرامة الله لداود ... وما أعظمها من كرامة ... وما أمتعها من سعادة ... أن يسبح فيسبح الوجود معه .....

  • ومن نعم الله على داود أن الله تعالى علّمه منطق الطير ، كما قال تعالى عن داود " وعُلّمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ " فكان يعرف لغة جميع الطيور ، ويفهم ما تقول ، ويحاورها ويتكلم معها ، نعمةً وفضلٍ من الله.

  • قوَّمَهُ وآتاه العلم والحكمة والقضاء بين الناس بالحق "وشدَدْنا مُلكَه" ( أي قوّيناه ) "وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب" .

  • ومن نعم الله عليه أن غفر له ووعده من الزلفى والكرامة شيئاً عظيماً " فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " .

هذا ما أخبر به القرآن عن صفات داود عليه السلام وما متّعه الله به من المزايا والخصائص .



أيها الإخوة : ... قدّمتُ بين يدي قصة هذا النبي الكريم تعريفاً بصفاته ، حتى ندرك الفضل الكبير على بني إسرائيل حين بعث الله لهم داود عليه السلام مَلِكاً نبياً لموسى وآل هارون تحمله الملائكة.. فكانوا كلما دخلوا معركة مع عدوهم نصرهم الله تعالى ببركة هذا التابوت ، فلما كانوا في بعض حروبهم مع أهل غزة وعسقلان غلبهم أهل عسقلان على التابوت ، فأخذوه منهم وانتزعوه من بين أيديهم ، فمات ملكهم كمداً عليه وبقي بنو إسرائيل بعد أن أخذ عليهم التابوت ، وبعد أن مات ملكُهم صاروا كالغنم بلا راعٍ يرعاها ، وظلوا على حالهم هذا حتى بعث الله إليهم نبياً يقال له شمويل أو صمويل فدبّت الحياة في بني إسرائيل ، واستيقظت العقيدة في قلوبهم وانتفضت الغَيْرة على دينهم واشتاقوا للقتال في سبيل الله ، وهكذا هم الناس في عصور الانحطاط والذل تحتاج إلى من يوقظها ويهزها من أعماق نفوسها ، ويحذرها من الهوان الذي اعتادت عليه والرضا والصمت الذي صار سمةً في أهلها ، فلا يتأثرون أو يؤثّرون ولا يتناصحون أو ينصحون .



أصبح طالوت ملكاً على بني إسرائيل بأمرٍ من صمويل بوحيٍ من الله تعالى ، فملّكه أمرهم لقوته الجسمية والعلمية " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم " 

وأيّده الله تعالى برجوع التابوت لهم فاختار الجنود الأقوياء والأشداء وخرج بهم لقتال عدوهم جالوت،  فالتقى جيش طالوت المؤمن وجيش جالوت الكافر ،فخرج جالوت الطاغية يطلب المبارزة كما هي العادة عند التقاء الصفين ، فخاف الناس وجبُنوا ولم يجرؤ أحد من جند طالوت على مبارزته ، فقال الملك طالوت محفّزاً ومشجّعاً أتباعه على المبارزة والخروج له : " مَن يبرز لجالوت ويقتله فأنا أزوّجه ابنتي وأحكمه في مالي " ... فخرج من بين الصفوف غلامٌ صغير وجنديٌّ مغمور ، قد مَلئت الشجاعة قلبه وتدفقت الرجولة في أعصابه وعروقه فقال : أنا أخرج له ، فكان هذا الشاب هو داود عليه السلام ، ولم يلبس درعاً ولم يحمل سلاحاً ، بل حمل مقلاعه وحجارته [ ولعل هذا هو سر حمل أطفال فلسطين للحجارة ] . 

خرج داود حتى وقف أمام جالوت فاحتقره وازدراه وقال جالوت لداود : ارجع فإني أكره قتلَك . فقال له داود : ولكني أحبّ قتلك . فرماه داود بحجارةٍ من مقلاعه فأصاب رأس جالوت فقتله وحز رأسه وجاء يحمله لطالوت ..... " فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء " 

ومنذ ذلك الحين لَمَعَ اسم داود بين شعب بني إسرائيل ، وتتابعت الانتصارات على يديه ، فاجتمعوا بعد وفاة طالوت وبايعوا هذا الغلام على الملك ، فأصبح ملكاً عليهم ،  وكان عمره لا يزيد عن ثلاثين سنة ، وقد حكم بين شعبه بالعدل وساسهم بالمساواة ، وطبق فيهم أحكام التوراة ، وهذا كله قبل نبوته ،  ثم لما بلغ الأربعين من عمره أوحى الله تعالى إليه ، واختاره نبياً على بني إسرائيل ، وأنزل عليه الزبور وآتاه الله الملك مع النبوة ، وعاش داود بعد ذلك سبعاً وسبعين سنة ثم توفاه الله تعالى ... 

أيها الإخوة : من أبرز معالم قصة داود عليه السلام أنه كان يحكم بين الناس بالحق ، فيأخذ الحق للضعيف من القوي ولا يرضى بالظلم ، ويوصي الناس بالعدل ، وهذا هو ما أمر به ربه فقال له " يا داوود إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذابٌ شديد بما نسوا يوم الحساب " ... 

ومن أبرز معالم القصة أن الأمة يجب أن تعتني بالصناعات والحِرف ، فقد كان داود عليه السلام يصنع بيده الدروع والأسلحة بل وكان دقيقاً في صناعتها ، وهكذا الأمة المسلمة حين تتقن صناعة القوة وتنتجها فإنها تزرع الهيبة في نفوس عدوها ، وحين تغرق في صناعة الكماليات فإنها تفقد من شبابها وقوتها ومكانتها بقدر ما فقدت من صناعتها . 


أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ...




0 التعليقات:

back to top